السيد محمد حسين الطهراني

18

معرفة المعاد

وأقلّهم النشيط ، فقام عليه السلام فيهم ثانيةً ، فقال : عِبَادَ اللهِ ! مَا لَكُمْ إذَا أمَرتُكُمْ أنْ تَنْفِرُوا اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأرْضِ ، أرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ ثَوَاباً ؟ وَبِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً ؟ أو كُلَّمَا نَادَيْتُكُمْ إلَى الْجِهَادِ دَارَتْ أعْيُنُكُمْ كَأنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ في سَكْرَةٍ ، يَرْتَجُّ فَتَبْكُمُونَ ؛ فَكَأنَّ قُلُوبَكُمْ مَألُوسَةٌ « 1 » فَأنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ ؛ وَكَأنَّ أبْصَارَكُمْ كُمْهٌ فَأنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ! لِلَّهِ أنْتُمْ ! « 2 » مَا أنْتُمْ إلَّا اسُودُ الشَّرَى في الدَّعَةِ ، وَثَعَالِبُ رَوَّاغَةٌ حِينَ تُدْعَوْنَ . مَا أنْتُمْ بِرُكْنٍ يُصَال بِهِ ، وَلَا ذَوَافِر عِزٍّ يعْتَصَمُ إلَيْهَا . لَعَمْرُ اللهِ لَبِئْسَ حُشَاشُ نَارِ الْحَرْبِ أنْتُمْ . إنَّكُمْ تُكَادُونَ وَلَا تَكِيدُونَ ، وَتَنْتَقِصُ أطْرَافُكُمُ وَلَا تَتَحَاشُونَ ، وَلَا يُنَامُ عَنْكُمْ وَأنْتُمْ في غَفْلَةٍ سَاهُونَ . إن أخَا الْحَرْبِ الْيَقْظَانُ ، أوْدَى مَنْ غَفَلَ ، وَيَأتِي الذُّلُّ مِنْ وَادِعٍ ؛ غُلِبَ الْمُتَخَاذِلُونَ ، وَالْمَغْلُوبُ مَقْهُورٌ وَمَسْلُوبٌ . « 3 » و « 4 » وقد أورد السيد الرضي رحمة الله عليه هذه الخطبة في « نهج البلاغة » إلّا أنه أبدل جملة « مَا أنْتُمْ إلّا اسُودُ الشَّرَى في الدَّعَةِ » بجملة : « مَا أنْتُمْ إلّا كَإبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا ، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ » ، كما أضاف هذه الجملات : وَأيمُ اللهِ ؛ إنِّي لأظُنُّ بِكُمْ أنْ لَوْ حَمِي الْوَغَى وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ قَدِ

--> ( 1 ) - ألِسَ فلان ألساً : اختلط عقله . فهو مألوس . ( م ) ( 2 ) - على وجه الاستهزاء والتهكّم ، شبيه ب - « للّه درّكم » . اي أنكم من فرط جودتكم فأنتم للّه . ( 3 ) - اي أنّ عدوّه سيقهره ويسطو به ، وأنّ نفسه وماله وعرضه ستكون فمعرض الاعتداء . ( 4 ) - « الغارات » ج 1 ، ص 33 إلى 37 .